خواجه نصير الدين الطوسي
53
جواهر الفرائض ( الفرائض النصيرية )
المهمّات ، وكانت أزمته النفسية من أوجع ما يصاب به الرجال ، فإنّه وهو العالم الكبير ذو الشهرة المدويه بين المسلمين ، يرى نفسه فجأة في قبضة عدوّ المسلمين ، ويرى هذا العدوّ مصرّاً على أن يبقيه في جانبه ويسيره في ركابه . وإلى أين يمشي هذا الركاب ؟ أنّه يمشي لغزو الإسلام في دياره والقضاء عليه في معاقله ، فهل من محنة تعدل هذه المحنة ؟ إنّ أقلّ تفكير في التمرّد على رغبة القائد المغولي سيكون جزاؤه حدّ السيف . . . وأنّني لأتخيّل الطوسي متأمّلًا طويل التأمّل ، مطرقاً كثير الإطراق ، لقد كان يعزّ عليه أن يذهب دمه رخيصاً وأن يكون ذلك بإرادته هو نفسه ، فلو أنّ سيفاً من سيوف المغول الجانية أودى به فيمن أودى بهم في رحاب نيسابور وسهول إيران لكان استراح . أما الآن فلن يستسلم للقدر الطاغي وسيثور على حكم الزمن الغاشم . كان الطوسي ذا فكر منظّم ، يعرف كيف يخطّط ويدبّر ، وهو في ذلك آية من الآيات ، وقد أدرك أن النصر العسكري على المغول ليس ممكناً أبداً ، فقد انحلّ نظام العالم الإسلامي انحلالًا تامّاً لم يعد معه أمل في تجميع قوّة تهاجم المغول وتخرّجهم من دياره ، وكانت البلاد المحتلّة أضعف من أن تفكّر في ثورة ناجحة . على أنّ الغرب الإسلامي كان لا يزال سليماً ، وكانت مصر هي القوّة الوحيدة التي تتّجه إليها الأنظار ، وقد استطاعت مصر أن تذيق المغول مرارة الهزيمة وأن تردهم عنها ، ولكنّها لم تكن مستطيعة أكثر من ذلك ، فمهاجمة المغول فيما احتلوه من بلاد بعيدة وإخراجهم من تلك البلاد كان فوق طاقة مصر . وفكر نصير الدين طويلًا ، فأيقن أنّه إذا تمّ للمغول النصر الفكري ، بعد النصر العسكري ، كان في ذلك ، القضاء على الإسلام ، وها هو يرى بأمّ عينيه الكتب تحرق والعلماء يقتلون ، فماذا يبقى بعد ذلك ؟ . . . لقد استغل حاجة هولاكو إليه ، وحرصه على أن يكون في معسكره فلكيّ عالم بالنجوم ، فعزم على كسب ثقته واحترامه فكان له ما أراد ،